الرئيسية - مقالات ساخنة - هل نقترب من إحراز نصر تاريخي كبير سيغير وجه المنطقة و مستقبلها ؟

هل نقترب من إحراز نصر تاريخي كبير سيغير وجه المنطقة و مستقبلها ؟

سمير الفزاع
بعد حرب العام 2006 قام كيان العدو الصهيوني بتشكيل لجنة تحقيق برئاسة القاضي “فينوغراد” لدراسة أسباب هزيمته فيها ، والثغرات التي ظهرت قبيل الحرب وخلالها ، على مستوى القرار السياسي ، وتفاعله مع المستوى العسكري ، وأداء هذا المستوى العسكري ، الميداني والعملياتي والإعلامي … والقرارات التي تمّ إتخاذها خلالها ، ومدى تناغمها مع مجريات الحرب وقدرات الجيش ، والإعداد السياسي والعسكري والإستخباري للحرب ، وتماسك الجبهة الداخلية … وكانت العبارة الأكثر شيوعاً المستخدمة في وصف مجمل عمل المؤسسات والتفاعل بينها في هذا التقرير كلمة “الفشل” . قبل أيام وخلال لقاء له على أحد القنوات الأمريكية الشهيرة ، سأل المذيع وزير خارجية أمريكا “كيري” : ما رأيك بالعملية الدقيقة التي تشنها “إسرائيل” في غزة ؟ ردّ كيري متهكماً بسؤال ، وهو يظن بأنه خارج “هواء البث المباشر” : لا أعلم إلى مدى هي دقيقة ! . وكأنه يقول بأن العملية الدقيقة ، عملية واضحة الأهداف ، يقوم بها طرف كامل الثقة ، يحقق أهدافه في فترة زمنية قياسية ، تكون خسائره فيها حول القيمة صفر ، وهزيمة الخصم فيها ، كاملة واضحة قاطعة . فهل هذا ما يحدث في غزة حقاً ؟! . القيمة الإستراتيجية للحرب الصهيونية الأخيرة على غزة في ميزان الصراع العربي الصهيوني أنها أكدت دقة وصوابية ؛ بل وعبقرية ، إستراتيجية المقاومة الشعبية في دحر العدوان والتخلص من الإستعمار . سأحاول هنا إبراز عدد من الإنجازات الكبرى لإستراتيجية المقاومة ، وحلف المقاومة :

1 – إبتداءاً منذ العام 1974 – تحرير مدينة القنيطرة – بدأ الكيان الصهيوني بالإنسحاب من أراض إحتلها تحت تأثير إستخدام القوة . عندما تمّ توقيع إتفاقية “كامب ديفيد” بين مصر وكيان العدو الصهيوني ، بدا وأن طريقة أخرى متوفرة “لإسترداد” الأرض ، الإعتراف بالعدو ، والمفاوضات المباشرة معه لتنتهي بتوقيع إتفاق “سلام” . ويتناسى أصحاب هذه “المدرسة” بأن العودة “المنقوصة” لسيناء ما كانت لتتم لولا حرب تشرين 1973 . هنا ، يظهر رجل بأمة ، حافظ الأسد . نتيجة لقرائته العميقة لخريطة الصراع ، وتوازنات القوى الإقليمية والدولية ، والتجربة المريرة مع عدد من حركات التحرر الفلسطيني والإنظمة العربية وموقفها من الصراع مع العدو الصهيوني ، خصوصاً بعد خروج مصر من معادلة الصراع … إتخذ قراراً إستراتيجياً بإنشاء مقاومة بمواصفات “خاصة” بعيداً عن الأنظمة العربية ، والجيوش النظامية ، والمشاكل الفصائليّة بين عدد من المنظمات الفلسطينية ؛ فكانت أفواج المقاومة اللبنانية التي تأسست تحت مسمى “حركة المحرومين” بالشراكة وتحت قيادة الإمام موسى الصدر في العام 1975 . من رحم حركة “أمل” ظهر حزب الله ، وأستمرت سوريا بدعمه بعد تجاوز فترة من الإختلاف ، وتنامى هذا الدعم بشكل كبيراً جداً على نحو متسارع إلى أن وصلنا العام 2000 ، عندما خرج الكيان الصهيوني من جنوب لبنان دون قيد أو شرط ، وبدون إلتحاق بمعسكر ” التفاوض المباشر” مع الكيان الصهيوني . حاول كيان العدو ومعسكر التفاوض المباشر مع العدو والغرب عموماً ، إظهار أن هذا الإنسحاب مبتوراً عن سياق الصراع ، وأن العدو تخلى في جنوب لبنان عن جغرافيا ليست جزءاً من فلسطين الطبعية ، وأن الوضع حتماً سيكون مختلفاً عندما يتعلق بجزء من “اسرائيل” . لم يمض سوى خمسة أعوام (2005) ليعود جيش العدو وينسحب من غزة تحت تأثير المقاومة ، بعد أن إستجدى “شارون” مصر للتوسط لدى الفصائل الفلسطينية ليكون إنسحاباً “هادئاً” لا تحت النار !!! . أي أن المقاومة الفلسطينية إستنساخ أمين لتجربة المقاومة الإسلامية في لبنان ، وكان هذا الأمر جليّاً في الحرب الأخيرة من حيث أساليب القتال ، وتكتيكات الميدان ، والتغطية الإعلامية ، وتهيئة البيئة الحاضنة ، ومصادر الدعم المادية والسياسية والفنية … .

2 – عندما نشأ الكيان الصهيوني كان من ضمن أهداف إنشائه ، حماية أنظمة عربية ترتبط بعلاقة “خاصة” مع الغرب إصطلح على تسميتها مؤخراً “دول الإعتدال العربي” . ولنتذكر هنا ما قاله وزير خارجية أمريكا الأسبق “هنري كيسنجر” في مذكراته عندما إجتاحت قوات سورية شمال الأردن في العام 1970 ، حول إستعداد طائرات سلاح الجو الصهيوني لضرب تقدم القوات السورية في شمال الأردن ، وهذا يظهر “تبادل المنفعة” بين هذه الأنظمة وكيان العدو . أمّا اليوم ، فإن أنظمة “الإعتدال العربي” هي من تبذل جهوداً جبارة لحماية هذا الكيان . لنرى حرص دول الطوق من دول “الإعتدال العربي” على حماية الحدود مع كيان العدو ضد أي تسلل أو نقل للمعدات والأسلحة إلى الداخل الفلسطيني ، ولندقق بهذا الصمت المطبق لعموم أنظمة “الإعتدال العربي” حيال المجازر المروعة والعدوان الصهيوني البربري على غزة ، ولنعرف مغزى دخول المشفى الميداني الإماراتي وهو محمل بملايين الدولارات لشراء الذمم وإختراق منظومة المقاومة في غزة ، والإستخبار عن منصات الصواريخ ، وتأليب الناس على المقاومة … وكيف خرج دون أدنى تعليق لحكومة الإمارات على إتهامات المقاومة له بالتجسس لصالح العدو !!! .

3 – للمرة الأولى في تاريخ الصراع العربي – الصهيوني يكون للمقاومة الفلسطينية حلف مكتمل ناضج ؛ ومن أبناء المنطقة بشراكة إيرانية كاملة ، يدعمها ، ومستعد لأن يقدم لها كل ما يمتلك من خبرات فنية ميدانية وعسكرية ، وأسلحة وذخائر ومعدات … ويتأهب للحظة الفاصلة التي سيكون فيها كتف إلى كتف معها على أرض فلسطين لتحريرها ، في سياق رؤية واضحة للصراع تسعى لكنس هذا الكيان نهائياً ، وتطهير كامل فلسطين من دنسه .

4 – لقد وصل الصراع في المنطقة إلى مستوى ، وتآكل الكيان الصهيوني إلى الحدّ الذي إضطرت به أمريكا وحلفائها وأدواتها … في المنطقة إلى الكشف الكامل عن حقيقة “الوجوه” والإرتباطات والعلاقة العضوية بين هذه الأنظمة والأدوات والحلفاء … وأمريكا والغرب والكيان الصهيوني . أي ، لأن أمريكا من الوهن ، والكيان الصهيوني من الضعف ، وهذه الأنظمة والأدوات … من الرعب والخوف … يدفعهم جميعاً – كحلف – إلى حرق “أوراقهم” كاملة وللمرة الأخيرة ، في اللحظة التاريخية الفاصلة قبل المعركة الختامية والحاسمة . فنحن اليوم شهود عيان للإنخراط الكلي لقنوات فضائية وكتاب ومثقفين وأدباء ومفتين وشيوخ ورؤساء وملوك وأحزاب وجماعات إرهابية تكشف عمق علاقتها بهذا الحلف والدور الوظيفي لمنظمات عربية وإقليمية مثل جامعة الدول العربية ومنظمة العمل الإسلامي … وهذا الأمر نادر الحدوث في تاريخ الصراع ، أن تكون التحالفات “عارية” إلى هذا المستوى ، والتشخيص يسير إلى هذا الحدّ . وفي هذا السياق يجب أن ندرك عمق دلالة “ترك” مسيحي المشرق فريسة سهلة لجماعات الإرهاب الوهابية – الصهيو غربية ، في حين كان “الحفاظ” عليهم بالأمس ، النافذة الجاهزة وحجة التدخل ؛ بل والغزو الغربي لهذا المشرق !؟ .

5 – للمرة الأولى في تاريخ الصراع العربي – الصهيوني منذ العام 1978 ، أي منذ توقيع مصر على إتفاقيات كامب ديفيد ، وخروجها من معادلة الصراع مع العدو الصهيوني ، يكون العراق قاب قوسين وأدنى ، من يصبح العمق الإستراتيجي والشريك الفاعل في حلف مقاومة هدفه إقتلاع الكيان الصهيوني من جهة ، وبروز حليف مميز وقوي جداً في لبنان – التي كانت تاريخياً الخاصرة الرخوة لسوريا وفي مجمل الصراع – قادر على هزيمة العدو في معركة كبيرة ، كما حدث في تموز 2006 ، وعلى أن يكون شريكاً مؤثراً في حرب تاريخية تنهي وجود هذا العدو من جهة ثانية ، ووجود مقاومة فلسطينية تعمل من داخل فلسطين تستطيع شلّ حياة هذا العدو وحركته وقصف مدنه الكبرى … وإبلاغه مرحلة من العجز يقف فيها حائراً مربكاً في حرب مستمرة منذ ثلاثة أسابيع على قطاع من الأرض لا تتجاوز مساحته 360 كم مربع .

إذا نظرنا للمشهد في جزئياته سيصدمنا حجم الألم والخراب والدماء … لكن إذا ما تناولنا المشهد بكليته سنجد بأننا نقترب من إحراز نصر تاريخي كبير سيغير وجه المنطقة وجوهرها . ومن يريد أن يقتلع هذا الكيان ، ويغير وجه وجوهر منطقة تعد الأهم والأدق والأكثر حساسية في العالم ، عليه أن يكون حاضراً ومستعداً لأن يصبر ويقاوم ويبذل الأثمان مهما غلت وعظُمت ، فالصراع يدور هنا على قلب العالم وعقله ومركزه العصبي .

وكالة أوقات الشام الإخبارية

بتعليقاتكم ومشاركتكم للمقالات يصل صوتنا إلى أبعد مدى بفضلكم ومعكم

لسنا مسؤولين عن التعليقات الواردة والمعلق وحده يتحمل مسؤولية التعليق

Loading...